( لِلمُتَنَبِّــي (المتـوفى سنة 354 هـ

  • 5 April 2020
  • 966 views
( لِلمُتَنَبِّــي  (المتـوفى    سنة 354 هـ
8 ( لِلمُتَنَبِّــي  (المتـوفى  سنة 354 هـ
فَلاَ تَقْنَعْ بِمـَا دُوْنَ النُّجُوْمِ # إِذَا غَـامَرْتَ فيِ شَرَفٍ مَرُوْمٍ
كَطَعْمِ المَـوْتِ فيِ أَمْرٍ عَظِيْمٍ # فَطَعْمُ المـَوْتِ فيِ أَمْرٍ حَقِيْرٍ
وَتِلْكَ خَـدِيْعَةُ الطَبْعِ اللَّئِيْمِ # يَرَى الجُبَنَـاءُ أَنَّ العَجْزَ عَقْلٌ
وَلا َمِثْلَ الشَّجَاعَةِ فيِ الحَكِيْمِ # وَكُلُّ شَجَاعَةٍ فـيِ المَرْءِ تُغْنىَ
وَآفَتُهُ مِـنَ الفَهْمِ السَّـقِيْمِ # وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلاً صَحِيْحًا

 

المفردات :

الضعف : العجز جمن الجبّان : الخائن : الجبناء
كثيرما : كم من  حيلة ومكر : خديعة
  تقنع : تغنى المريض : السقيم
أمر مقصود : شرف مروم أردت : غامرت

 

الشرح :

  1. إذا أردت أن تدافع عن شيئ شريف كالدفاع عن الوطن والدفاع عن الدين أو أردت أن تجاهد في سبيل الحق والعدل أو عزمت على طلب العلا فعليك أن تجاهد جهادا حقيقيا لأجل هذا الشريف وألاّ تكون مرتابا في سعيك وعملك وفي جهادك وألاّ تخاف عن بذل أموالك والأنفس أو الممات لأجل هذا الأمر العظيم وألا ترضى قبل الحصول على الدرجة العالية وألاّ تقنع قبل الوصول إلى غايتك الأخيرة ولو اضطررت أن تبذل النفس والنفيس.
  2. 2.  اعلم أنه لا فرق بين طعم الموت لأجل أمر حقير وطعم الموت لأجل أمرعظيم. ولذلك إذا أردت أن تسعى لأمر عظيم أو تجاهد في سبيل الحق لإعلاء كلمات الله ألاّ تخاف من المشقّات أو المضرّات المتوالية وألاّ تخاف عن بذل الأموال والأنفس لأجل هذا المبدأ الشريف فإن الجهاد في سبيل الحق فوق كل شيئ فتحصل بذلك آمالك المرجوّة وغايتك السامية. وإذا متّ لأجل هذا الأمر العظيم فيكون موتك موتا شريفا محمودا لا ينساك من بعدك بل جعلوك مثالا في سعيهم وعملهم وقدوة لهم في جهادهم.
  3. 3.  من صفة الجبناء أو الخوّافين الذين لا يشجعون الدفاع عن الحق والجهاد في سبيل الخير أنهم يرون أن عجزهم في أمورهم أو تخلّفهم عن الجهاد نوع من الرأي الصحيح الناتج من عقل السليم. اعلم أن ذلك الرأي لرأي مخطئ ولا يكون إلا نتيجة من الخديعة التي نشأت من طبائعهم الدنيئة ومن صفاتهم الملومة هي خوفهم عن بذل المجهود اللازم في سبيل الحق وقناعتهم في ذلّ وحقارة في حياتهم. فالواجب عليك الاجتناب عن مثل هذا الرأي السقيم وعن هذا المبدأ الحقير الدنئ.
  4. كل شجاعة تكون نافعة للمرء في جميع أموره وكم نرى في  المجتمع أن قليل العلم استطاع أن ينال مرتبة عالية وحصل على غايته المرجوّة ولا يكون ذلك إلا بسبب شجاعته, وكم نرى فينا ذوي العلوم  الكثيرة والمعارف وقعوا في الفشل بسبب جبانتهم وكثرة خوفهم من السعي للوصول إلى آمالهم فالواجب عليك أن تعلم أن هذه الشجاعة ستأتي بأكبر المنافع إذا كان المتّصف بها رجل حكيم. فاللازم أن تكون شجاعا حكيما في أمورك فتكون بذلك ناجحا في حياتك.
  5. كم رأينا من رجال يلومون قولا صحيحا ورأيا مصيبا ولا يكون ذلك إلاّ نتيجة من الفهم السقيم الناتج من عقل غير صحيح وقلب غير سليم, فليحذر كل منّا خطر قبول قول أحد قبل التفكير العميق والفهم الدقيق.

الخلاصة :

الرغبة في تحقيق الآمال تراود أنفس كثير من الشباب, وتشغل تفكيرهم. فإذا كنت من هؤلاء فلا تقف دون تحقيق آمالك, ولا تقنع بالأدنى منها, فإن طعم الموت في الأمور الهينة والعظيمة واحد, ولا تكن كالجبّان الذي يريه لؤمه وطبعه الرديء أن قعوده عن المعالي وعدم الإقدام غاية العقل, ونهاية التصرف والحكمة, وهو بذلك يخادع نفسه ويغالطها.

والشجاعة أمر محمود ولكنها إذا اجتمعت مع العقل والحكمة كانت أتم وأحسن.